انشروا الحقيقة… فجنين تستحق العدالة لا النسيان …نازحي مخيم جنين
انشروا الحقيقة… فجنين تستحق العدالة لا النسيان …نازحي مخيم جنين
يشهد مخيم جنين واحدة من أقسى موجات النزوح القسري في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، في ظل العمليات العسكرية المتكررة التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي تصاعدت حدتها منذ نهاية العام الماضي، وأدت إلى تفريغ المخيم شبه الكامل من سكانه. هذا النزوح لم يكن طارئًا أو قصير الأمد، بل امتد لأشهر طويلة، وترك آلاف العائلات في أوضاع إنسانية ونفسية واقتصادية بالغة الصعوبة، وسط غياب أي أفق واضح للعودة.
قصة عائلة الستيني أبو أنس تمثل صورة مكثفة عن واقع النزوح القسري الذي يعيشه أهالي المخيم. فالعائلة، التي سبق أن نزحت عام 2002 خلال عملية «السور الواقي»، اضطرت مرة أخرى إلى مغادرة منزلها مع بدء الاجتياح الأخير، دون أن تحمل معها سوى الملابس التي كانت ترتديها. تفرقت الأسرة بين أحياء وقرى محافظة جنين، كما هو حال آلاف العائلات التي توزعت على مناطق برقين، وسكنات الجامعة العربية الأمريكية، وقرى محيطة، في ظل اكتظاظ شديد وظروف معيشية مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن نحو 22 ألفًا من سكان مخيم جنين أُجبروا على النزوح، فيما تجاوز عدد النازحين في عموم الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر أكثر من 50 ألف فلسطيني. وقد رافق هذا النزوح دمار واسع في المساكن والبنية التحتية، حيث سُجل تدمير 1386 منزلًا، وتنفيذ أكثر من 12 ألف مداهمة عسكرية، إضافة إلى منع السكان من العودة إلى المخيم بالقوة، والاعتداء على من يحاول الاقتراب منه.
الواقع الإنساني للنازحين يتسم بالقسوة وعدم الاستقرار؛ إذ يعيش كثيرون في بيوت أقارب أو سكنات مؤقتة أو منشآت زراعية غير مهيأة للسكن، مع اعتماد محدود على مساعدات غير منتظمة تقدمها وكالة الغوث، أو مبادرات أهلية فردية تشمل الإيواء والمساعدات العينية ودفع بدل الإيجارات. في المقابل، تتفاقم الأوضاع الاقتصادية للنازحين نتيجة فقدان مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وانقطاع أو عدم انتظام رواتب القطاع العام، ما يدفع العديد منهم إلى الاعتماد على أعمال مؤقتة وهشة لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
ولا تقتصر آثار النزوح على الجانب المادي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية عميقة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن، حيث يسود شعور دائم بعدم الأمان والخوف من المستقبل، إلى جانب القلق المتزايد من أن يكون هذا النزوح طويل الأمد أو دائمًا. كما تتزايد مخاوف الأهالي من وجود مخططات تهدف إلى تقليص عدد سكان المخيم، أو إعادة تشكيله بما يحد من حريتهم في السكن والحركة، بما يهدد النسيج الاجتماعي والهوية الجمعية للمكان.
ورغم الدمار الواسع والواقع القاسي، لا يزال الارتباط بالمخيم حاضرًا بقوة في وعي النازحين، باعتباره مكانًا للانتماء والذاكرة الجماعية، وليس مجرد حي سكني. إن ما يجري في مخيم جنين يعكس سياسة نزوح قسري ممنهجة تستهدف الإنسان قبل المكان، وتفرض على المؤسسات الوطنية والأهلية مسؤولية أخلاقية وإنسانية في تسليط الضوء على هذه القضية، والدفاع عن حق النازحين في العودة، والسكن الآمن، والحياة الكريمة.